نذير حمدان
254
حكمة القرآن والحضارة
نهايتها بعزة اللّه وحكمته وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ، وقريب منه ما ذكره اللّه من حقيقة ربانية هي عجز المؤمنين من أهل الكتاب وغيرهم عن التحكم بفضل اللّه وإحسانه ، فإن وراء ذلك حكمة خفية أو ظاهرة في التصرف الإلهي في كل شيء لأنه مصدر العلم المطلق والتدبير الحكيم . فالحكمة أو العلة هي ضرورة تحققهم من حدود معرفتهم البشرية بالمسائل الإلهية ألّا يتجاوزوها لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ( الحديد 29 ) . قال ابن كثير : إنهم لا يقدرون على رد ما أعطاه اللّه ولا إعطاء ما منع اللّه « 1 » . اللام المضمرة : وقد تضمر لام التعليل وبعدها ( لا ) أو تحذفان ويفهمان من موقعهما في السياق وعندئذ تقترب ( اللام ) في اتصالها من الأعذار الواهية التي يقطعها القرآن على الكافرين أو المعتذرين ، فأي قول من هذا النوع مردود عليهم ، وأية حجة تساق لمثل هذا التدبير باطلة ، ففي آية ( المائدة 19 ) أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ عرض اللّه على أهل الكتاب خاصة بعثة الرسول صلى اللّه عليه وسلم على فترة من الرسل لئلا يتعللوا بقولهم ما جاءنا من بشير ونذير وهم كاذبون في قولهم إذ كيف يمكنهم إنكار إجماع الناس في الإيمان ودحض التاريخ أو طمسه من الوجود ؟ إن خصوصية الرسول وأهل الكتاب هنا يؤكدها ما صرح به القرآن هناك من التعللات الباطلة لمكذبي الرسل عموما كما سبق في آيات ( النساء 165 ) وغيرها . وفي آيتي ( الأنعام 156 - 157 ) أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ
--> ( 1 ) قال ابن جرير الطبري : لأن العرب تجعل ( لا ) صلة في كل كلام دخل في أوله أو آخره جحد غير مصرح . وقال الزمخشري : ( لئلا يعلم ) ليعلم ، و ( لا ) مزيدة و ( ألّا يقدرون ) أن مخففة من الثقيلة أصله أنه لا يقدرون . وهذا يعني : كما قال الشيخ عبد الجليل عيسى في ( المصحف الميسر ) أن العرب تجي ( بلا ) هذه في مثل هذا المقام لتأكيد نفي سابق ، أو للتمهيد لنفي لاحق مع تأكيده في المعنى كما هنا ، والمراد أخبركم الصادق في جميع أخباره وهو الله سبحانه بما سبق ليعلم أهل الكتاب نفي قدرتهم على تصريف فضل الله نفيا مؤكدا .